سيد محمد طنطاوي
126
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم ، ولم يكونوا أحياء - كعابديهم - ثم ماتوا ، بل هم أموات أصلا . أو جيء بها على سبيل التأسيس ، لأن بعض مالا حياة فيه من المخلوقات ، قد تدركه الحياة فيما بعد ، كالنطفة التي يخلق اللَّه - تعالى - منها حياة ، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها حياة ، وهذا أتم في نقصها ، وفي جهالة عابديها . وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهي قوله - تعالى - : * ( وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) * . ولفظ « أيان » ظرف زمان متضمن معنى متى . وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق ، وعدم إحساسهم بشيء . أي : أن من صفات هذه المعبودات الباطلة ، أنها لا تدرى متى يبعثها اللَّه - تعالى - لتكون وقودا للنار . وبعضهم يجعل الضمير في « يشعرون » يعود على الأصنام ، وفي « يبعثون » يعود على العابدين لها ، فيكون المعنى : وما تدرى هذه الأصنام التي تعبد من دون اللَّه - تعالى - متى تبعث عبدتها للحساب يوم القيامة . قال صاحب فتح القدير ما ملخصه : قوله : « وما يشعرون أيان يبعثون » الضمير في « يشعرون » للآلهة وفي « يبعثون » للكفار الذين يعبدون الأصنام . والمعنى : وما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار ، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم ، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة . فضلا عن الأمور التي لا يعلمها إلا اللَّه - سبحانه - . ويجوز أن يكون الضمير في الفعلين للآلهة . أي : وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث . ويدل على ذلك قوله تعالى - : إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه حَصَبُ جَهَنَّمَ . . « 1 » . وبعد أن أبطل - سبحانه - عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقي الحكيم ، صرح بأنه لا معبود بحق سواه ، فقال : * ( إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ ) * . أي إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له ، لا في ذاته ولا في صفاته : فأخلصوا له العبادة ، ولا تجعلوا له شركاء .
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 2 ص 156 .